المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اسماء الله الحسنى: اسم الله الرحيم 1 - للشيخ محمدالنابلسي


طالبة الجنة
02-22-2012, 06:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




اسماء الله الحسنى: اسم الله الرحيم 1




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.


من أسماء الله الحسنى الرحيم):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الرحيم".
ورود اسم الرحيم في القرآن الكريم والسنة الشريفة:
اسم الله الرحيم ورد في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة، ورد مطلقاً أي غير مضاف، ومعرفاً بأل، ومنوناً، واسم الله الرحيم اقترن مع اسم الله الرحمن في ستة مواضع في القرآن الكريم.
اسم الله الرحيم يؤكد رحمة الله الخاصة بالمؤمنين:
اقترن اسم الله الرحيم مع اسم التواب، والغفور، والرؤوف، والودود، والعزيز، وذلك لأن الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحيم رحمة خاصة، بينما اسم الله الرحمن رحمة عامة، للتوضيح: عندنا مدرسة وفيها عام دراسي، في أثناء العام الدراسي جميع الطلاب بدون استثناء يتمتعون بميزات عامة، كلهم لهم مقاعد، لهم مقاصف خاصة بهذه المدرسة، لهم أعطيات، لهم تعويضات، العطاءات واحدة، وهناك متابعة، فالمقصر يحاسب، المقصر يؤدب، المقصر يستدعى والده، العطاءات واحدة للجميع، ويوجد تأديب و متابعة و عقوبات، لكن بعد أداء الامتحان هناك تكريم للناجحين، فاسم الله الرحمن يشمل كل الخلائق، المؤمن، والكافر، والملحد، والمستقيم، والمنحرف، أما اسم الله الرحيم يشمل الذين آمنوا بالله ورسوله واستقاموا على أمره، وحققوا الهدف الذي من أجله خُلقوا.

لذلك الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحيم رحمة خاصة، تلحق المؤمنين، التكريم متعلق بالناجحين فقط، أثناء العام الدراسي جميع الطلاب لهم الميزات نفسها، مجتهد، مقصر، كل الميزات مشتركة لكل الطلاب، لكن بعد الامتحان المكافأة، والتكريم، و التعويضات، والحفل الذي يبين تفوق هؤلاء الطلاب هذا خاص بالناجحين.
لذلك اسم الله الرحيم يؤكد رحمته الخاصة بالمؤمنين، ذكرت من قبلُ أن الأب يُطعم كل أولاده، يكسوهم جميعاً، كل ابن له غرفة خاصة، لكن الابن البار له معاملة خاصة، فيها ود، و فيها حب.
الله عز وجل رحمن في الدنيا لكل الخلق ورحيم في الآخرة بالمؤمنين:
أيها الأخوة، الله عز وجل رحمن في الدنيا لكل الخلق، لكن في الدار الآخرة رحيم بالمؤمنين، الآيات، قوله تعالى:
﴿ تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2) ﴾
( سورة فصلت )
الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الآخرة:


﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) ﴾
( سورة يس )
سلام، لما قال تعالى:


﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ (45) ﴾
( سورة مريم )
باسم الرحمن هناك عذاب، زلزال، فيضانات، اجتياح:


﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
(سورة الأنعام: من آية 65 )
كل هذا من خلال اسم الرحمن، طبيب وجد المريض قد التهبت زائدته، لابد من مستشفى، لابد من تخدير، لابد من فتح البطن، لابد ولابد بدافع الرحمة، العملية الجراحية بدافع الرحمة.
المصائب معالجة إلهية من اسم الرحمن:
كل أنواع المصائب في الحقيقة معالجة إلهية من اسم الرحمن، رحمن الدنيا، لكن بعد انتهاء الدنيا، ودخلنا في الدار الآخرة، الله عز وجل رحيم بعباده المؤمنين الذين استجابوا، وأنابوا، وأقبلوا، وتوكلوا.
﴿ تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2) ﴾
( سورة فصلت )
﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) ﴾
( سورة يس )
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
هذا في القرآن الكريم، أما في السنة:


(( يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال عليه الصلاة والسلام: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم ))
[البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه]
(( كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة رب اغفر لي وتب عليّ أنك أنت التواب الرحيم ))
[أبو داود من حديث بن عمر عن رضي الله عنه]
الرحمن في الدنيا، عطاء موحد، شمس، قمر، ليل، نهار، أمطار، نبات، وتأديب للمقصر، عطاء موحد، وتأديب للمقصر هذا في الدنيا، أما في الآخرة تكريم خاص لمن استجاب لله، وأقبل عليه، واستقام على أمره.
الرحيم في اللغة:
الآن باللغة: الرحيم في اللغة من صيغ المبالغة، فعيل بمعنى فاعل، رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع، قدير بمعنى قادر، وزن فعيل يأتي على معنى فاعل، فالله عز وجل رحيم أي راحم بعباده المؤمنين، إذاً هذا الاسم دلّ على صفة الرحمة الخاصة التي ينالها المؤمنون، فالرحمن الرحيم بُنيت صفة الرحمة الأولى على فعلان رحمن، لأن معناه الكثرة، يعني اسم الله الرحمن يشمل كل الخلائق من دون استثناء، فرحمته وسعت كل شيء، وهو أرحم الراحمين، وأما الرحيم فإنما ذكر بعد الرحمن لأن الرحمن مقصور على الله عز وجل، لا يمكن أن يسمى إنسان باسم الرحمن أما يوجد إنسان اسمه رحيم.
فالرحيم قد يكون لله ولغير الله، قد تقول الله عز وجل رحيم، وفلان عليم:
﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(43) ﴾
( سورة الأحزاب )
لذلك قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر.
الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين وتمتد إلى ذريتهم من بعدهم:
أيها الأخوة، والرحمة الخاصة التي دلّ عليها اسم الرحيم شملت عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، فقد هداهم إلى توحيده، وعبوديته، وهو الذي أكرمهم في الآخرة بجنته، ومَنَّ عليهم في النعيم برؤيته، ورحمة الله لا تقتصر على المؤمنين فقط، بل تمتد لتشمل ذريتهم من بعدهم تكريماً لهم، قال تعالى في نبأ الخضر والجدار:
﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (82) ﴾
( سورة الكهف )
إذاً: الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، وتمتد إلى ذريتهم من بعدهم، والآية الثانية:


﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾
( سورة الطور الآية: 21 )
قال علماء التفسير ألحقنا بهم أعمال ذريتهم

طالبة الجنة
02-22-2012, 06:59 PM
قال علماء التفسير ألحقنا بهم أعمال ذريتهم.
أفضل كسب الرجل ولده:
أيها الأخوة:
(( أفضل كسب الرجل ولده ))
[أخرجه الطبراني عن أبي بردة بن نيار ]
إذا وفق الله إنساناً إلى تربية أولاده، أعمال أولاده الصالحة، وأولاد أولاده، وأحفاده، وأحفاد أحفاده إلى يوم القيامة في صحيفته، فكما أن الإنسان مجبول على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، استمرار وجودك بسبب تربيتك لأولادك، ذكرت لكم مرة التقيت بعالم جليل قال لي: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، أكثر من أربعة عشر منهم طبيباً، وأكثر من عشرة أحفاد من حفاظ كتاب الله، أي الخير العميم الذي ينال المؤمنين يمتد إلى ذريتهم من بعدهم.


﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾
( سورة الطور الآية: 21 )
يعني أنت تستمر في الأجر، والعطاء، والثواب إلى يوم القيامة إذا ربيت أولادك، مرة أحد علماء دمشق وهو خطيب من الخطباء الكبار توفي رحمه الله، أُقيم له العزاء في الجامع الأموي، وفي اليوم الثالث وقف ابنه وألقى خطبة كأبيه، فقلت في نفسي والله لم يمت مادام ترك من يخلفه من بعده، فكل إنسان إذا الله وفقه وربى ابنه، الأجر الذي يناله الأب لا يعلمه إلا الله، مرة قابلت شخصاً له ابن صالح جداً، أقسمت له بالله أن هذا الابن الصالح في الميزان المادي أغلى من مليار مليار مليار دولار، هذه تتركها وتموت، أما الابن يبدأ عطاؤه بعد الموت.


(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
هنيئًا لمن كان له ولد صالح.
أسباب الرحمة الخاصة :
1 ـ طاعة الله ورسوله:
الرحمة الخاصة لها أسباب ؟ مثلاً شخص عنده حاسوب، وكتب كلمة رحمة، وبحث في مشتقاتها، سيجد بحثاً لطيفاً جداً مثلاً:
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132) ﴾
( سورة آل عمران )
إذاً طريق رحمة الله طاعة الله ورسوله، بالأحاديث:


(( غَفرَ الله لرجل كان قبلكم: سهلاً إذا باع، سَهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله ]
رحم الله عبداً سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى، سهلاً إذا اقتضى.
2 ـ المعاملة الطيبة في البيع والشراء:
المعاملة الطيبة في البيع والشراء أحد أسباب رحمة الله عز وجل، أنت افتح البحث بالدعاء، رحم الله، بالأحاديث، تجد كماً كبيراً ما هي أسباب رحمة الله ؟
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132) ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(155) ﴾
( سورة الأنعام )
ابحث لعلكم تُرحمون، ابحث رحم الله عبداً، تجد بحثاً رائعاً مديداً دقيقاً عميقاً يبين لك هذا البحث أسباب رحمة الله عز وجل.
اسم الله الرحيم يدل على الذات والصفة معاً:
الآن اسم الله الرحيم من الجهة العلمية يدل على ذات الله، هو اسم ذات، ومن الجهة الوصفية يدل على صفة الرحمة الإلهية، اسم ذات واسم صفة، فهو يدل على الذات والصفة معاً، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ(41)إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(42) ﴾
( سورة الدخان )
أيها الأخوة، الآية التي ورد فيها الاسم على الوصف، آية دقيقة، وهذه رحمة خاصة بالمؤمنين، تضمنها اسمه الرحيم، قالت امرأة العزيز بعد توبتها:


﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53) ﴾
( سورة يوسف )
أيها الأخوة، والآية التي تقول:


﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(54) ﴾
( سورة الأنعام )
أيها الأخوة الكرام، الآية التي تقول:


﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ (28) ﴾
( سورة الحديد)
انظر اتقوا الله، اتقوا أن تعصوه، اتقوا أن تقعوا في سخطه أو غضبه.
في الدنيا جنة القرب من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة:
﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ (28) ﴾
( سورة الحديد)
يكفل لكم رحمته مرتين، مرة في الدنيا ومرة في الآخرة، وفي قوله تعالى:


﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
( سورة الرحمن )
جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، ويقول بعض كبار العلماء، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب، والدليل:


﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾
( سورة محمد)
عرفها لهم في الدنيا، ذاقوا طعمها في الدنيا.
من لم يكن أسعد الناس بمعرفة الله و الإقبال عليه فهو لم يذق طعم حلاوة الإيمان:
بشكل أو بآخر إن لم تقل من أعماق أعماقك ليس في الأرض من هو أسعد مني، فمعنى ذلك أنت لم تذق جنة الدنيا، لو يعلم الملوك (هذا كلام إبراهيم بن الأدهم الذي كان ملكاً وهو مدفون في جبلة) ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف.
ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ أين وجد سيدنا إبراهيم الجنة ؟ وقد ألقي في النار:
﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
( سورة الأنبياء )
أين وجد أصحاب الكهف الجنة ؟ في الكهف. أين وجد سيدنا يونس الجنة ؟ في بطن الحوت، أي إذا كان الله معك فمن عليك ؟




فَلَيتَكَ تَحلو و الحَياةُ مَريــرَةٌ وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضـابُ
وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِـرٌ وَبَيني وَبَينَ العـالَمينَ خَرابُ
وليت شرابي من ودادك سائغ وشربي من ماء الفرات سراب
إذا صحّ منك الوصل فالكل هين وكل الـذي فوق التراب تراب


***
إن لم تقل أنا أسعد الناس على بيت صغير، ودخل محدود، وعدة علل بالجسم، ومتاعب في الدنيا، مع كل هذه المتاعب والحياة الخشنة إن لم تقل أنا أسعد الناس بمعرفة الله ، والإقبال عليه، ومحبته، فأنت لم تذق طعم حلاوة الإيمان، ولم تذق طعم القرب في الدنيا، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة:



فلو شاهدت عيناك من حسننا الــذي رأوه لما وليت عنا لــــــغيرنا
ولو سمعت أذناك حســــن خطابنا خــلعت عنك ثياب الـعجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المــــحبة ذرة عذرت الـــذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولــــو نسمت من قربنا لك نسمة لـــمت غريباً واشتياقــاً لقربنا
ولو لاح من أنوارنــــا لـك لائحٌ تركــت جميع الكـائنات لأجلنــا
***
كل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة:
وقال الله عز وجل يصف ويتحدث عن نبيه نوح عليه السلام ومن ركب معه السفينة:


﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41) ﴾
( سورة هود)
هؤلاء نجوا، ركبوا السفينة ونجوا،
﴿ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41) ﴾
أما الفيضان أصاب القوم الذين استنكفوا عن طاعة الله باسم الرحمن، غرقوا باسم الرحمن، ونجا هؤلاء باسم الرحيم، الرحيم تعني الرحمة الخاصة بالمؤمنين:


﴿ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ(57)سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) ﴾
( سورة يس)
﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ (45) ﴾
( سورة مريم)
الرحيم أيها الأخوة، في أغلب النصوص وصف بالرحمة الخاصة، نسأل الله رحمته، ونستعيذ به من عذابه، مع أن عذابه عدل، وفيه حكمة ما بعدها حكمة، وكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
اجتماع اسمي الله جلّ جلاله الرحمن الرحيم في معنى واحد وهو تعلقهما بالمشيئة:
أيها الأخوة، إن اسمي الله جلّ جلاله الرحمن الرحيم يجتمعان في معنى واحد وهو تعلقهما بالمشيئة، فاسم الله الرحمن اقتضى أن يسوق لعباده بعض العذاب، والدليل:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(147) ﴾
(سورة الأنعام )
واسم الله الرحيم يقتضي التكريم، اسم يقتضي التأديب في الدنيا، واسم يقتضي التكريم في الآخرة، يفترق الاسمان (الرحمن والرحيم) من جهة تعلقهما بالحكمة، الحكمة تقتضي أن يساق العذاب لمن شرد عن الله في الدنيا، والحكمة تقتضي أن تكون رحمة الله لمن استجاب له في الآخرة.
الله عز وجل خلق المؤمن ليرحمه و يسلمه و يسعده:
أيها الأخوة الكرام، اسم الله الرحيم خاص بالمؤمنين، فبذلك حينما قال الله عز:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
دقق
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسلمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم ليعطيهم، الله عز وجل بيده الخير، دققوا في هذه الآية:


﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
إعطاء الملك خير، ونزعه خير، إعزاز الإنسان خير، والإذلال خير، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، نسأل الله رحمته، ونخشى عذابه، نسأل الله السلامة في الدنيا، النبي عليه الصلاة والسلام حينا دعا في الطائف قال:


(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين، إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]
ونحن نقول رحمة الله الخاصة بالمؤمنين أوسع لنا.






والحمد لله رب العالمين




جزا الله تعالى كل الخير للشيخ الفاضل

محمد النابلسي

طالبة الجنة
02-22-2012, 08:21 PM
اسماء الله الحسنى: اسم الله الرحيم 2





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.


من أسماء الله الحسنى الرحيم):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم الرحيم.


الرحيم رحمة الله الخاصة بالذين آمنوا وأقبلوا عليه و الرحمن رحمته العامة لكل الخلق:
الله سبحانه وتعالى يقول هناك أدعية في القرآن الكريم:
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128) ﴾
( سورة البقرة )
وقد تبين في درس سابق أن اسم الرحيم يعني رحمة الله الخاصة بالمؤمنين، بينما اسم الرحمن رحمته العامة لكل الخلق، اسم الرحمن يعني رحمته العامة لكل الخلق وتأديبه للمقصرين، قال:


﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ (45) ﴾
( سورة مريم )
لكن اسم الرحيم يعني رحمته الخاصة بالذين آمنوا وأقبلوا عليه، لذلك من أدعية القرآن الكريم:


﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128) ﴾
( سورة البقرة )
الآية تشير إلى الرحمة الخاصة، آية ثانية قال تعالى:


﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(16) ﴾
( سورة البقرة )
الكبر والاعتداد بالنفس والاستعلاء والاستكبار صفات تتناقض مع العبودية:
يتضح أن الإنسان أحياناً تزل قدمه، لكن الفرق كبير جداً بين من يعصي الله كبراً واستعلاءً واستكباراً:
﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
وبين من يعصي الله غلبة، يعني لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر، ما الذي هو أكبر من الذنب ؟ العُجب، العُجب، إنسان عنده كمية لبن قليلة جداً وجاءه ضيوف، فأضاف لهذا اللبن أربعة أمثال الكمية ماء، فصار شراباً سائغاً للشاربين، لكن هذا اللبن لا يحتمل قطرة بترول واحدة، تحمل أربعة أمثاله ماء، وصار شراباً سائغاً للشاربين، لكن لا يتحمل قطرة بترول واحدة، الكبر، والاعتداد بالنفس، والاستعلاء، والاستكبار، هذه صفات تتناقض مع العبودية ، لأن الرب رب، والعبد عبد، شأن العبيد الافتقار إلى الله، وعندئذ ربهم يرفعهم، ويعزهم، ويوفقهم، ويتجلى عليهم، ويلقي هيبتهم في قلوب الخلق، وشأن الرب أنه كبير، وأنه جبار:


﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(16) ﴾
( سورة البقرة )
وقوله سبحانه وتعالى عن أهل الجنة:


﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ(28) ﴾
( سورة الطور)
اسم الرحيم من أقرب الأسماء للمؤمن:
أعتقد أنه لا يوجد اسم أقرب للمؤمن من اسم الرحيم، كلمة رحمة والله لا أملك أن أشرحها، يعني مطلق عطاء الله، أحياناً الصحة رحمة، يعني معافى، الأجهزة تعمل بانتظام، الإنسان معه قوته، معه سمعه، بصره، عقله، حركته، نشاطه، أجهزته، أي جهاز في الجسم لو أصابه خللاً تصبح حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، فما من دعاء أكثر النبي منه كهذا الدعاء:
(( اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ))
[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمر ]
﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ(28) ﴾
( سورة الطور)
فالصحة رحمة، وراحة البال رحمة:


﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾
( سورة محمد)


والزوجة الصالحة رحمة، والأولاد الأبرار رحمة، والسمعة الطيبة رحمة، والتيسير رحمة، والسكينة رحمة، والتجلي رحمة، والقرار السديد رحمة، والنظرة الثاقبة رحمة، والموقف الحكيم رحمة، والرضا عن الله رحمة، وامتلاك الحكمة رحمة، وامتلاك الرؤيا الصحيحة رحمة.

الله عز وجل خلقنا ليرحمنا و يسعدنا:
ماذا أقول ؟ مطلق عطاء الله، بدءاً من الصحة، وانتهاءً بالسكينة، كلها رحمة الله، فالله عز وجل خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، والدليل:
﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
و:


(( رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد إذا رجل قد قضى صلاته وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم، فقال عليه الصلاة والسلام قد غُفرَ له ثلاثاً ))
[النسائي عن حنظلة بن علي]
أي يا رحمن يا رحيم برحمتك نستغيث:


(( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر ومن عذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له وارحمه، أنك أنت الغفور الرحيم ))
[أبي داود عن واثلة بن الأسقع]
يعني من أعظم الأدعية أن تقول في دعائك يا رب إنك أنت الغفور الرحيم، الغفور عفو عما مضى، والرحيم عطاء، أنت أحياناً تنظف الإناء مما علق به من قاذورات، ثم تملؤه شراباً لذيذاً، فالرحيم عطاء والغفور مسامحة.


(( اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، وأتمها علينا ))
[أبو داود من دعاء ابن مسعود ]
من أحبه الله عز وجل ألقى محبته في قلوب خلقه:
أيها الأخوة، ومما ورد في الرحمة الخاصة الذي تضمنه اسم الله الرحيم قوله تعالى في شأن موسى:
﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ (151) ﴾
( سورة الأعراف )
يعني مطلق عطاء الله أن تكون في رحمة الله، وعن أيوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:


﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) ﴾
( سورة الأنبياء )
(( تهجد النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي فسمع صوت عباد يصلي في المسجد، فقال: يا عائشة أصوت عباد هذا ؟ قلت: نعم، قال: اللهم ارحم عباداً
))
[البخاري عن عائشة رضي الله عنها ]
أي إذا الله رحم الإنسان عاش في سعادة، عاش في توفيق، عاش في هيبة، إذا أحب الله عبداً ورحمه ألقى محبته في قلوب الخلق.
المؤمن من أتباع الأنبياء يبني حياته على العطاء لا على الأخذ:
أيها الأخوة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ (218) ﴾
( سورة البقرة )
المؤمن يبذل ماله، يبذل وقته، يربي أولاده، ينصح المسلمين، يقدم خدماته، لماذا يفعل هذا ؟ يرجو رحمة الله، يرجو عطاء الله، أنا أضرب مثلاً بسيطاً لو أن ملكاً كلف معلماً أن يعطي ابنه بعض الدروس، فهذا المعلم أفقه ضيق جداً بعد عشرة دروس قال للابن أين الأجرة ؟ قال: أستاذ كم تريد ؟ قال له: كل درس ألف، بعد دقيقة جاءه، وقال: هذه عشرة آلاف، لكن مسكين هذا المعلم لو لم يطلب من الابن لأعطاه الأب بيتاً، ومركبة، ودخلا مستمراً، ملك، عطاء الملك يتناسب مع الملك، فعندما لا يتحرك الإنسان إلا بالأجر، لا يلقي كلمة إلا بالأجر لا يقبل أن يؤدي نصيحة إلا بالأجر المسبق، يكون لا يعرف الله، فحياة المؤمن مبنية على العطاء، بالتعبير المعاصر استراتيجيته العطاء، أساساً الهرم البشري الكبير يقع على قمته زمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، لذلك المؤمن من أتباع الأنبياء، يبني حياته على العطاء، يسعد إذا أعطى:


﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
والله الذي لا إله إلا هو أحياناً إذا قدمت عملاً صالحاً وقال لك شخص كم تريد ؟ كأنك طعنته، ماذا أريد ؟ أريد رضوان الله عز وجل لا أريد شيئاً، فالإنسان المادي لا يفهم الموقف هذا، يراه ذا أفق ضيق، وفيه بساطة، وفيه سذاجة، ما تأخذ ؟
المسلم يرجو رحمة ربه و يخشى عذابه: أيها الأخوة:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
من هنا يقول الله عز وجل:


﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) ﴾
( سورة البقرة )
المسلم يرجو رحمة الله، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، والآية الكريمة:


﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا(110)﴾
( سورة النساء )
الإنسان عندما يقول: يا رب اغفر لي، يا رب تب علي، يا رب سامحني، الله عز وجل لحكمة بالغة يلقي في روعه أنه غفر له، وأنه تاب عليه.
من كمال الله أنه إذا غفر لك يشعرك أنه غفر لك و تاب عليك:
قال بعض العلماء: من وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله غفر له، فلا حج له لماذا ؟ لأن من كمال الله أنه إذا غفر لك يشعرك أنه غفر لك، وإذا تاب عليك يملأ قلبك طمأنينة، إذا تاب عليك يملأ قلبك ثقة بعطائه، وهناك آية أخرى:

طالبة الجنة
02-22-2012, 08:23 PM
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ (74)﴾
( سورة المائدة )
ماذا تنتظر؟


إلى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسـؤول


***
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـا فإنا منحنا بالرضا من أحبنـــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـا لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل وأخلص لنا تلقى المسرة والهنــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لي أيا عبدنــا ما قرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جـاء وعدنــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـاً وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
فـلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــا
ولو ذقت مـن طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة لمــــت غريباً واشتياقاً لقربنا
فما حبنا سهل وكل من ادعـى سهولته قلنا له قــــد جهلتنا
***
الولاء والبراء أحد أركان الإيمان بالله تعالى:
أيها الأخوة، الذي أريده في الدرس الثاني من كل اسم علاقة المؤمن بهذا الاسم، علاقة المؤمن بهذا الاسم الرحيم هو امتلاء القلب برحمة الولاء للمؤمنين، ورقة الوفاء لهم التي تدفع إلى حبّ المؤمنين، أنت من ؟ أنت مسلم، يجب أن يكون ولاؤك للمؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وينبغي أن تتبرأ من الكفرة والملحدين ولو كانوا أقوياء وأغنياء، تجد إنساناً أحياناً يذهب إلى الغرب فيستغرِب، ينتمي إليهم، يتمنى قوتهم، يتمنى نصرهم، يزدري أمته، هذا انتهى، لأنه أحد أركان الإيمان الولاء والبراء، أن توالي المؤمنين، أن تحمل همهم، أن تتألم لآلامهم، أن يبكيك حالهم المأساوي، لا أن تشمت بهم.
إذاً المؤمن الموحد بهذا الاسم الرحيم ينبغي أن يمتلئ قلبه رحمة الولاء، ورقة الوفاء التي تدفع إلى حبّ المؤمنين، وبغض المنحرفين، وأسوتنا في ذلك هو سيد الخلق أجمعين، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾
( سورة التوبة)
المؤمنون وضعهم لا يرضي الآن، كبا بهم الجواد، اصطلحت عليهم المصائب، أعلن العالم كله حرباً عليهم، وأنت كمؤمن توالي المؤمنين، تدافع عنهم، تحمل همهم، تتألم لآلامهم، تفرح لانتصارهم.


﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾
( سورة التوبة)
الطاعة تدفع إلى الرحمة والعفو والمغفرة:
كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً بأصحابه، رفيقاً، حبيباً، قريباً، صديقاً:
(( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ))
[البخاري عن مالك بن الحويرث ]
الشاهد:
(( وكان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ))
أيها الأخوة:


(( قال النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم في خطبه: أهل الجنة ثلاثة، ذو سلطان مقسط، متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال ))
[مسلم عن عياض ]
فالطاعة تدفع إلى الرحمة والعفو والمغفرة وتوحيد الله بهذا الاسم يقتضي أن تنتمي للمؤمنين.
معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المؤمن:
أيها الأخوة، أريد أن أؤكد لكم أن الإسلام يشبه مثلثاً مقطعاً إلى أربعة مقاطع، المقطع الأعلى هو العقيدة، العقيدة أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وأن تؤمن بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، وأن تؤمن بأسمائه الحسنى وبصفاته الفضلى، وأن تؤمن أنه فعال لما يريد:
﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (63) ﴾
( سورة الزمر)
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
هذا الإيمان يقع على رأسه معرفة أسماء الله الحسنى، معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المؤمن، لكن آلية هذه المعرفة ينبغي أن تعرف الله حتى تقبل عليه، يعني لو أن إنساناً عقدة زواجه لا يوجد عنده بيت، وتأخر الدخول لعدم وجود البيت، وتململ أهل الزوجة، وكاد العقد أن يلغى وأن يفسخ، وهو في حيرة من أمره فسمع عن رجل صالح عنده بيت يريد أن يعطيه لطالب علم وهو طالب علم، هذه الفكرة يرقص لها طرباً، يذهب إليه، يعرض عليه، ما الذي دفعه إلى هذا المحسن ؟ لأنه علم أنه يبغي أن يعطي ذلك البيت لطالب علم، هذا مثل للتقريب، أنت حينما تعلم أن الله قوي وأنت ضعيف تتقوى به، أن الله غني وأنت فقير، أن الله كريم وأنت مفتقر إلى عطائه، أنت حينما تعرفه تقبل عليه، وتزهد فيمن سواه، علامة المؤمن موحد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، تُقبل عليه وتزهد فيما سواه، فلذلك الرحمة أن ينالك عطاء الله عطاءً شاملاً كاملاً يجمع بين الدنيا والآخرة.
الرحمة أن ينالك عطاء الله عطاءً شاملاً كاملاً يجمع بين الدنيا والآخرة:
أخواننا الكرام، معظم الناس الذين شردوا عن الله خطهم البياني صاعد صعوداً حاداً، وعند الموت هذا الخط الصاعد ينهار انهياراً مريعاً، عند الموت فقد كل شيء، فقد ماله، أهله، مكانته، أولاده، بيته، مركبته، مكتبه التجاري، فقد كل شيء، إلا أن المؤمن (ودققوا في هذا المثل) خطه البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، لذلك أنا حينما أرى إنساناً محسناً في الدنيا أدعو له بهذا الدعاء، أقول له: اللهم اجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة. أي في الدنيا الله متعك بصحة، متعك بأهل، بأولاد، لك بيت تأوي إليه، لك مكانة، لك سمعة، وافته المنية فهو في جنة عرضها السموات والأرض، يعني اتصلت نعم الدنيا مع نعم الآخرة.
من ذكره الله عز وجل منحه نعمة الأمن والسكينة و الحكمة:
لذلك أيها الأخوة عندما قال الله عز وجل:
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (45) ﴾
( سورة العنكبوت )
ذكر الله أكبر ما في الصلاة، المعنى الذي أردده كثيراً قال علماء التفسير: ذكر الله لك وأنت تصلي أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن أكبر عطاء إلهي:


﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
منحك الحكمة:


﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة الآية: 269 )
منحك السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، منحك الرضا عن الله عز وجل، منحك التوفيق، منحك التأييد، منحك النصر، منحك الحفظ.
عطاءات الله عز وجل التي يعطيها للمؤمن لا تعد و لا تحصى:
والله أيها الأخوة، عطاءات الله عز وجل التي يعطيها للمؤمن يصعب أن توصف، يعيش في سعادة، في ثقة، في طمأنينة، في قوة شخصية، في عزّ، في إباء، يعني الآية الكريمة:
﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (8) ﴾
( سورة المنافقون )
ونحن يومياً في دعاء القنوت، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولذلك:


﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ﴾
( سورة العنكبوت )
العاقل من يفرح برحمة الله عز وجل له:
اقرأ هذه الآية:
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾
( سورة الزخرف )
يقولون: بل جيتس يملك تسعين ملياراً، رحمة الله خير من التسعين ملياراً، الدولة الفلانية عندها نفط يقدر بأربعمئة وخمسين مليار برميل احتياطي، والنفط كان بستة دولارات صار بمئة وخمسين دولاراً، يقول لك: صاروا فوق الريح، يذهب شخص لبلد من بلاد النفط يقول لك: الأموال لا تأكلها النيران:


﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾
( سورة الزخرف )
كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى بيتاً، إذا رأى شيئاً من حطام الدنيا، يقول:


(( اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ فَأَصْلِحِ الأَنْـصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ ))
[ من صحيح البخاري عن أنس بن مالك ]
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾
( سورة الزخرف )
يقول لك شخص معه وكالة مادة غذائية، أرباحه اليومية مليون ليرة، مليون يومياً ماذا يأكل ؟ له وجبة طعام صغيرة، هذا هو رزقه، وكسبه سيحاسب عليه، يعني لا تفرح بالكم، افرح برحمة الله عز وجل هكذا الله علمنا:


﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾
( سورة الزخرف )
القلب القاسي أبعد قلب عن الله:
نحن أحياناً بخطأ فاحش إذا شخص مات نقول: مسكين مات، الله عز وجل قال:
﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾
( سورة آل عمران )
إن لم يمتلئ قلبك رحمة فالأمر خطير جداً، أبعد قلب عن الله القلب القاسي:


﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 22 )
قلوبهم كالحجارة، بل أشد منها قسوة:


﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (159) ﴾
( سورة آل عمران )
الشيء الأخير، نحن نقبل على الله إذا عرفنا أسماءه، والطريقة الفعالة للتقرب منه أن تتخلق بكمال مشتق من كمال الله، فإذ أردت رحمة الله فارحم خلقه، إذا أردت عدل الله كن منصفاً، إن أردت عطاء الله كن معطياً، تقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله.





والحمد لله رب العالمين




جزا الله تعالى كل الخير للشيخ الفاضل

محمد النابلسي